السيد محمد الصدر

202

تاريخ الغيبة الصغرى

خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » . إذن فالغرض من الخليقة هو الحصول على هذا الكمال العظيم المتمثل بتوجيه العقيدة والمفهوم إلى اللّه عز وجل ، وقصر السلوك على طاعته وعدله في كل حركة وسكون . وإذا نظرنا إلى حقيقة هذا الكمال من جوانبه المتعددة ، واستطعنا تحصيل الفكرة المتكاملة عنه ، عرفنا الهدف الإلهي المقصود الذي أصبح هدفا لايجاد الخليقة . الجانب الأول : إيجاد الفرد الكامل . من حيث أن قصر الانسان نفسه على التربية بيد الحكمة الإلهية الكبرى وتحت إشرافها وتدبيرها ، يوجد فيه الإنسان العادل الكامل ، الذي يعيش محض الحرية عن انحرافات العاطفة والمصالح الضيقة ، والمساوق في انطلاقه مع انطلاقه الكون الكبرى إلى اللّه عز وجل . الجانب الثاني : إيجاد المجتمع الكامل ، والبشرية الكاملة المتمثلة من مجموعة الأفراد الذين يعيشون على مستوى العدل والاخلاص ، والتجرد من كل شيء سوى عبادة اللّه تعالى ، تلك العبادة التي تتضمن تربية الفرد والمجتمع ، والارتباط بكل شيء على مستوى العدل الإلهي . الجانب الثالث : إيجاد الدولة العادلة التي تحكم المجتمع بالحق والعدل ، بشريعة اللّه الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء . وتكون هي المسئولة الأساسية عن السير قدما بالمجتمع والبشرية نحو زيادة في التكامل في الطريق الطويل غير المتناهي الخطوات . فهذا هو معنى العبادة المقصود في الآية ، وكل ما كان على خلاف ذلك فهو تقصير في العبادة الحقيقية تجاه اللّه عز وجل . ولا يمكن أن نفهم من الآية هذا المعنى القاصر بطبيعة الحال .

--> ( 1 ) الذاريات 51 / 56 .